ساسي سالم الحاج

69

نقد الخطاب الاستشراقي

وقت مبكر من وجوده . فهو يرى أغنياء قريش ، وأقاربه وأصدقاءه يتمتعون بنفوذ سياسي طبقا لغناهم ، وسعة أفقهم وقدراتهم الذاتية في معالجة القضايا العامة . ولكنه كان يشعر في قرارة نفسه ومن أعماق ضميره بأنه قد هيّئ لمهام تتعدى في أهميتها الحسابات السياسية المعقدة للمجتمع المكي وإن لم تتجاوز في مضمونها سائر القضايا العربية . ومنها : أنه يعاني من حالة باثولوجية ربما كان أول مظهر لها قصة الملكين اللذين شقّا صدره وغسلا قلبه بالماء والثلج عندما كان مسترضعا لدى حليمة . وربما تطورت حالته المرضية بعد هذه الواقعة فأخذت هذه الأزمة النفسية تعاوده من حين إلى آخر ، ذلك أن المصادر الإسلامية تروي عن حليمة أنها قالت عن نفسها وزوجها : « فخرجت أنا وأبوه نحوه ، فوجدناه قائما ممتقعا وجهه ، فالتزمته والتزمه أبوه ، فقلنا له : مالك يا بنيّ ؟ قال : جاءني رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاني فشقّا بطني فالتمسا فيه شيئا لم أدر ما هو » . وخشي الرجل أن يكون الغلام أصابته الجن ، فاحتملاه إلى أمه بمكة « 1 » . وينكر « رودنسون » هذه القصة كما أسلفنا ، ويراها مخترعة في جميع تفاصيلها . ويفترض إمكانية مرور محمد بتجربة عقلية كتلك المعروفة لدى العديد من « الشّمانيّين » - عباد الطبيعة والقوى الخفية في آسيا الوسطى - والسحرة الأستراليين . ومن المؤكد أن الرسول قد مرّ بأزمات عندما تعدّى مرحلة الطفولة وأصبح شخصية ناضجة ، ويعتبره أعداؤه المسيحيون مصابا بمرض انفصام الشخصية ، فإذا كان الأمر كذلك فإنه من النوع اللطيف الرقيق . ولكن الحقيقة أن التكوين النفسي لمحمد يتطابق أساسا وذلك المعروف لدى الكثير من الصوفيين « 2 » . ويستمر رودنسون في تحليل شخصية الرسول ، ويفسر تكوينه النفسي المبكر بتمتعه بتلك الخصال والمناقب التي لا يتمتع بها الرجل العادي . ويرى أن هذه الظاهرة موجودة لدى كل الشعوب وعند جميع المجتمعات . وإن بعضا من هذه الشخصيات غير العادية تدخل في نزاع مرير مع البيئات التي توجد بها ، فبعض منها يجد الوسائل الملائمة ليتوافق معها وغالبا ما توفر لهم مجتمعاتهم أدوارا استثنائية تتفق وتصرفاتهم وتطلعاتهم . وبعض منها يرى نفسه مهيّأ لأدوار تؤهله لربط علاقات مع العلم الخفي

--> ( 1 ) عن سيرة ابن هشام ، المرجع السابق ، ص 165 . ( 2 ) Ibid , op . cit , p . 81 .